مجلة جامعة الملك سعود، م17، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية (2) ، الص ص 895- 944 (1425هـ/2004هـ) 944 خالد بن منصور بن عبدالله الدريس 945 سلوك الجادة وأثره في إعلال الأحاديث سلوك الجادة وأثره في إعلال الأحاديث خالد بن منصور بن عبدالله الدريس أستاذ الحديث وعلومه المساعد، قسم الثقافة الإسلامية، كلية التربية، جامعة الملك سعود، الرياض،المملكة العربية السعودية (قدم للنشر في 28/10/1424هـ، وقبل للنشر في4/1/1425هـ) ملخص البحث. يركز هذا البحث على قرينة من أهم قرائن إعلال الأحاديث لدى علماء النقد الحديثي، وهي المسماة بـ ( سلوك الجادة )، ويتناولها من حيث تعريفها، وبيان الألفاظ المشابهة لها، وعلاقتها بعلم علل الحديث وأهميتها فيه، وبيان أن (سلوك الجادة ) يكون قرينة في علم العلل على خطأ الراوي إذا جاء بطريق مشهور مألوف، وخالفه غيره ممن هو مثله أو أقوى منه فروى ذلك الحديث من طريق آخر ليس بالمشهور لقلة وروده وعدم اعتياد الرواة عليه، كما تم بيان أن مخالفة الجادة تكون قرينة على ضبط الراوي وإتقانه عند أئمة علم العلل، مع عرض للنصوص التطبيقية التي استعمل فيها بعض العلماء هذه القرينة، ثم وضع ضوابط مستنبطة من تطبيقاتهم للعمل بهذه القرينة، وتوضيح مكانتها في حالة تعارضها مع قرائن الترجيح الأخرى المستعملة في علم علل الحديث. مقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. يعد علم العلل من أهم علوم الحديث النبوي وأدقها، ولذا كان من المقرر عند أهل الاختصاص أن التعمق فيه دليل على الإتقان والتمكن، والسبيل إلى تحقيق ذلك يكون بدراسة الكتب المصنفة فيه دراسة تحليلية معمقة، مع مداومة الاطلاع في الأمهات المشهورة فيه وجردها كاملة. وقد لاحظت أن كثيراً من طلاب الدراسات العليا وغيرهم لديهم إعراض عن القيام بموجبات ذلك، مما جعلني أفكر في الإقدام على محاولة تقديم بعض قضاياه بصورة تسد بعض النقص المعرفي لدى أولئك الطلاب رغبة مني في خدمة سنة المصطفى ( والعلوم المتعلقة بها، فوقع اختياري على قضية من قضايا علم العلل وهي المسماة بسلوك الجادة، باعتبارها من المصطلحات المتعلقة بهذا العلم التي تحتاج إلى دراسة تحليلية، كما أنها إحدى قرائن الترجيح المهمة في علم العلل. فقمت بتتبع النصوص المتعلقة بالموضوع من كتب العلل والجرح والتعديل والتخريج، ثم حاولت أن أقوم بتصنيفها وتحليلها، ومن ثَم إخراج ذلك على صعيد واحد، وبصورة مختصرة بعيدة عن الإطناب، بحيث يتحقق المراد الذي أشرت له آنفاً. ولتحقيق ذلك عرضت لهذا الموضوع في عناصر هي: أولاً: التعريف بسلوك الجادة مع الشرح والبيان. ثانياً: حصر العبارات ذات الصلة. ثالثاً: علاقة سلوك الجادة بعلم علل الحديث والمنكر والشاذ والمقلوب. رابعاً: أمثلة من نصوص علماء العلل التطبيقية. خامساً: ضوابط الترجيح بمخالفة الجادة. الخاتمة وفيها ذكر لأهم النتائج والتوصيات. وآمل أن يكون هذا البحث خطوة في عرض قضايا العلل الحديثية بصورة تحليلية مقنعة إن شاء الله تعالى، والله أسأل العون والسداد على تحقيق ذلك. التعريف بـ ( سلوك الجادة ) السلوك في اللغة من " سلك " وهذا أصل يدل على نفوذ شيء في شيء، كما يقال: سلكت الطريق أسلكه، وسلكت الشيء في الشيء: أنفذته[ 1، جـ3، 97 ]، وقولهم: سلك فلان الطريق أي سار فيه. والجَاْدَّة كما ورد في معاجم اللغة المبسوطة هي: معظم الطريق، وقيل: سواء الطريق، وقيل: وسطه، وقيل: هي الطريق الأعظم الذي يجمع الطرق ولا بد من المرور عليه، وقيل: جادة الطريق مسلكه وما وضح منه، وقيل: الجادة الطريق إلى الماء. [ 2، جـ3، 109-110 ]. فيكون معنى ( فلان سلك الجادة ) من حيث اللغة: أي فلان سار على الطريق المُعَـبّد المشهور المتعارف عليه عند الناس. ولم أعثر على تعريف اصطلاحي دقيق لدى علماء الحديث لهذا المصطلـــــــــــــح (سلوك الجادة ) أو ما شابهه من ألفاظ أخرى استعملت في المعنى نفسه، إلا أن الحافظ ابن رجب قد بين المقصود منه ووضح مفهومه بكلام يقرب من التعريف، وذلك في قوله: "فإن كان المنفرد عن الحفاظ مع سوء حفظه، قد سلك الطريق المشهور، والحفاظ يخالفونه، فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه ؛ لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيراً، فيسلكه من لا يحفظ" [ 3، جـ 2، 725 ]، وقوله في محل آخر شارحاً لقول أبي حاتم الرازي: ( فلان لزم الطريق ): " يعني أن رواية ثابت عن أنس سلسلة معروفة مشهورة تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه، بخلاف ما قاله حماد بن سلمة، فإن في إسناده ما يستغرب فلا يحفظه إلا حافظ " [ 3، جـ2، 726 ]. وبناء على كلامه - رحمه الله -، وعلى تأمل نصوص العلماء وعباراتهم وتطبيقاتهم يمكن تعريف هذا المصطلح بما يلي: "رواية الراوي لحديث بإسناد مشهور سهل، مخالفاً فيه من هو مثله، أو أقوى منه صفة أو عدداً " ولكي تتضح الصورة أكثر، فلا بد من شرح التعريف: لفظة " الراوي " الواردة في التعريف، تشمل الراوي الثقة والصدوق والضعيف، وسيأتي في النصوص التطبيقية للأئمة أنهم استعملوا ( سلوك الجادة ) وما في معناها من عبارات في روايات لبعض الثقات وكذا الضعفاء، وقد يفهم البعض من قولي الحافظ ابن رجب المتقدمين: أن ( سلوك الجادة ) خاص بسيء الحفظ، أو من كان قليل الضبط، ولكن هذا غير دقيق ؛ لأن الحافظ ابن رجب حين قال ذلك كان بصدد التعليق على بعض الأمثلة المعينة، ولم يرد التعميم، كما أن نصوص الأئمة في ذلك توضح بجلاء أنهم استعملوا هذه القرينة حتى في الثقات كما سيأتي في نص للإمام عبدالرحمن بن مهدي، ونص آخر للإمام الشافعي، ونص آخر عن الإمام أحمد وغيرها من النصوص التطبيقية، وإن كان غالب الأمثلة التي سنذكرها في النصوص التطبيقية قيلت في حق من تكلم العلماء في ضبطهم لسوئه أو لقلته في الجملة. ولفظة " مشهور " المراد بها أن السند الذي يطلق أئمة الحديــــــث على راويه عبارة ( سلك فيه الجادة )، وما في معناها، يكون سنداً مشهوراً معروفاً يتداوله رواة الحديث بكثرة، وذلك مثل: مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواية محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما، ورواية ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه، هذه الطرق جميعها تعد من الطرق المشهورة المعروفة المتداولة بكثرة على ألسنة المحدثين. ولفطة " سهل " المراد بها أن ذلك السند المشهور يكون سهل الحفظ، ووجه ذلك أن السلاسل الإسنادية المعروفة الآنفة اعتاد رواة الحديث عليها ؛ لكثرة دورانها في كتبهم ومجالسهم مما يجعلها سهلة الحفظ على عموم الرواة حتى لدى الراوي غير المتقن، مما يؤدي إلى أن الألسنة قد تسبق إليها خطأ، كما أن احتمال الوهم فيها في غاية القوة ؛ لأنها مألوفة معتاد عليها، وقد نبه عدد من الحفاظ كابن عيينة، وأبي حاتم الرازي، وابن عدي، وغيرهم، على أثر سهولة الإسناد وشهرته في سرعة تبادر الوهم إلى رواة الحديث. وعبارة " مخالفاً فيه.. " المقصود منها أن استعمال مصطلح ( سلك الجادة ) وما في معناه كما يظهر من أغلب النصوص التطبيقية لعلماء الحديث إنما يؤتى به في حال وجود المخالفة، ووجود المخالفة يتحقق ممن هو مثل راوي الجادة من حيث القوة، أو ممن هو أقوى منه سواء أكان أقوى من حيث الضبط أم من حيث كثرة عدد المخالفين، فإذا وجد شيء من ذلك فإنه يعد دليلاً على خطأ من ( سلك الجادة )، والذي عليه عمل أئمة العلل أن من عدل من الرواة عن السند المشهور السهل إلى سند آخر قليل الورود فإن ذلك يدل عندهم على حفظه وإتقانه، ويحكمون براويته المخالفة للجادة ، ويرجحونها على الموافق للجادة . والأمثلة الموضحة للتعريف ستأتي في استعراض النصوص التطبيقية . ويجدر التنبيه هنا إلى أنني آثرت استعمال عبارة ( سلوك الجادة ) في عنوان البحث على غيرها من العبارات المستعملة في المعنى نفسه، والتي سترد بعد قليل ؛ لشهرة العبارة المعنية في كتب مصطلح الحديث المتداولة، كما يظهر ذلك عند الحافظ ابن حجر [ 4، جـ 2، ص 714 ]، وكذا عند السخاوي [ 5، جـ1، ص 201، 263 ]، والسيوطي [ 6، جـ1، ص261 ]، بل إن الحافظ ابن حجر لم يستخدم في كتبه المختلفة أثناء كلامه على الأحاديث التي يكون فيها موجب للإشارة لمعنى ( سلوك الجادة ) إلا هذه العبارة دون غيرها كما سيأتي إيضاحه في نصوصه التطبيقية عبارات أخرى ذات صلة وقد استعمل بعض العلماء عبارات مشابهة لعبارة ( فلان سلك الجادة ) من حيث المعنى الذي شرحته في التعريف الآنف، وبحسب استقصائي لذلك، وجدتها كالآتي: 1 - ( لزم الطريق )، وهذه العبارة استعملها الحافظ أبو حاتم الرازي في عدة نصوص، ويشير المعنى اللغوي لقولهم: " فلان لزم كذا " بمعنى داوم وثبت عليه [ 7، ص 823 ]، ومراد أبي حاتم: أن الراوي الذي قيلت فيه العبارة: أخطأ حيث لزم في روايته السند المشهور المتداول السهل على الحفظ بسبب التعود عليه، ومن الشواهد على ذلك أنه رحمه الله سئل عن حديث يرويه المبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس مرفوعاً: "إذا أحب الرجل أخاه، فليعلمه "، فقال: " رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن حبيب بن سبيعة الضبعي عن رجل حدثه عن النبي ( مرسل "، ثم بين سبب ترجيحه لحديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني بقوله: " هذا أشبه، وهو الصحيح، وذاك لزم الطريق " [ 8، جـ2 ، ص 249 ] يعني المبارك بن فضالة حين روى الحديث عن ثابت عن أنس، لزم الطريق المشهور إذ من المعروف كثرة حديث ثابت البناني عن أنس. 2 - ( اتبع المجرة ) استعملها الإمام الشافعي في نص واحد - بحسب اطلاعي -، ويبدو لي أنه استعمل كلمة " المجرة " تشبيهاً للطريق المشهور بالمجرة حيث تجتمع النجوم التي يهتدي بها الخلق، فقوله: " اتبع المجرة " أي اقتدى في طريقه بالأمر المعتاد المتعارف عليه، وقد وردت في معاجم اللغة معان للمجرة لم أجد لأكثرها صلة بالاستعمال الوارد هنا [ 2، جـ4، ص 129 ]. ونص الشافعي في ذلك ورد في كلامه على حديث خطّأ فيه شيخه سفيان بن عيينة فقال: " اتبع سفيان بن عيينة في قوله: عن الزهري عن عروة عن عبدالرحمن - يعني ابن عبد القاري - المجرة "، وقد علق ابن أبي حاتم على هذا بقوله: " يريد: لزم الطريق " كما هو اصطلاح والده الذي تقدمت الإشارة إليه [ 9، ص 227 ]، وذلك لأن مالك بن أنس ويونس بن يزيد وغيرهما خالفوا ابن عيينة في هذا الحديث كما سيأتي إن شاء الله. وقد تبع الشافعيَ على استعمال هذه العبارة بعضُ من جاء بعده من أتباع مذهبه كالإمام ابن خزيمة [ 10، جـ2، ص 474 ]، والحاكم [ 11، ص 372 ]، والخطيب البغدادي [ 12، جـ3، ص 226 ] ، وستأتي نصوصهم لاحقاً. 3 - ( كان أسهل عليه )، وهذه العبارة استعملها الحافظ ابن عدي بكثرة في نصوصه وأحكامه على الأحاديث، ومن ذلك مثلاً قوله في حديث رواه أحد الضعفاء، فقال: " أخطأ على حماد بن زيد فقال: عن ثابت عن أنس، وكان هذا الطريق أسهل عليه، وإنما هو ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة " [ 13، جـ1، ص 201 ]. وممن استعملها أيضاً أبو حاتم الرازي في بعض نصوصه [ 8، جـ1، ص 315، ص 359 ؛ جـ2، ص 60، ص 354 ]. وفي معناها لفظة ( أهون ) التي استعملها سفيان بن عيينة في انتقاده للمنكدر بن محمد بن المنكدر، وهو لين الحديث [ 14، ص 547 ]، لما روى حديثاً عن أبيه عن جابر، وخالفه فيه ابن عيينة، وقال موضحاً سبب خطأ المنكدر: " هذا كان أهون عليه" [ 15، جـ2، ص 701 ] يعني أن يروي الحديث عن أبيه محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما، وهذه سلسلة معروفة ؛ لأن ابن المنكدر مكثر عن جابر. 4 - ( العادة المستمرة )، وهذه العبارة استعملها الخطيب البغدادي، فقد بيّن سبب خطأ أحد الرواة بقوله: " فلعله... جرى على العادة المســــــتمرة في ثابت عن أنس " [ 12، جـ 9، ص 440 ] يعني أن ثابتاً البناني كثيراً ما يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فظن ذلك الراوي أن حديث ثابت الذي أخطأ فيه عن أنس أيضاً، والصواب أن ثابتاً يرويه عن غير أنس أي على غير ما جرت به العادة المستمرة. إن العبارات السابقة استعملت في الغرض نفسه الذي استعملت فيه عبارة ( سلك الجادة )، فهي تؤدي المعنى نفسه، والمضمون ذاته. علاقة ( سلوك الجادة ) بعلم علل الحديث يعد الحافظ أبو عبدالله الحاكم هو أول من ذكر قرينة ( سلوك الجادة ) في أجناس العلل، وجاء ذلك في كلامه على الجنس التاسع من علل الحديث، فذكر حديثاً من طريق المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن رسول الله ( كان إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم، تبارك اسمك، وتعالى جدك... "، وذكر الحديث بطوله. ثم قال الحاكم بعده: " لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه "، وفي بعض النسخ جاء ت زيادة: " على جادته " ثم ساق بسنده حديثاً من رواية أبي غسان مالك بن إسماعيل عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب عن النبي ( أنه كان إذا افتتح الصلاة ... فذكر الحديث ، [ 11، ص 372 - 373 ]. ويريد الحاكم بهذا أن يبين لنا أن المنذر بن عبدالله الحزامي أخطأ في سنده الذي رواه حيث ذكر أن عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون يروي الحديث عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً، وهذا سند معروف مشهور حيث يكثر عبدالله بن دينار من الرواية عن ابن عمر، ولذا قال الحاكم: أخذ طريق المجرة أي سلك المنذر في روايته للحديث الطريق السهل. وقد خالفه أبو غسان مالك بن إسماعيل فرواه عن شيخه عبدالعزيز الماجشون، ولكن من طريق عبدالله بن الفضل بالسند المتقدم، وروايته هي الصواب ؛ لأن هذا السند قليل الورود لا يتقنه إلا حافظ. ويؤكد ذلك أن المنذر بن عبدالله، قد روى عنه جمع الثقات، وكان من سادات قريش [ 16، جـ 28، ص 503 ] وقد ذكره ابن حبان في ثقاته [ 17، جـ 9، ص 176 ] ولم أجد لغيره كلاماً فيه. وأما أبو غسان مالك بن إسماعيل، فهو ثقة متقن صحيح الكتاب [ 14، ص 516 ]. ومن بعد الحاكم لا نجد من تعرض لذكر قرينة ( سلوك الجادة ) في مباحث العلة إلا الحافظ ابن رجب الحنبلي، فقد بيّنها ورفع عنها الغموض بتحليل أسبابها مع إيراد جملة من الشواهد، والتطبيقات العملية لأئمة العلل المشاهير، ومن ذلك أنه علق على قول أبي حاتم الرازي: " مبارك - بن فضالة - لزم الطريق " بقوله: " يعني أن رواية ثابت عن أنس سلسلة معروفة مشهورة تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه، بخلاف ما قاله حماد بن ســــــلمة، فإن في إسناده ما يستغرب فلا يحفظه إلا حافظ. وأبو حاتم كثيراً ما يعلل الأحاديث بمثل هذا، وكذلك غيره من الأئمة " [ 3،جـ2، 725 ]. وفي محل آخر وضح هذه القرينة بصورة أكثر جلاء وعمقاً فقال: " فإن كان المنفرد عن الحفاظ مع سوء حفظه، قد سلك الطريق المشهور، والحفاظ يخالفونه، فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه ؛ لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيراً، فيسلكه من لا يحفظ " [ 3، جـ 2، 725 ]. ولا ريب أن للحافظ ابن رجب فضل الأسبقية في لفت أنظار أهل العلم لهذه القرينة وإبرازها أكثر من أي عالم آخر ممن كتب في علم أصول الحديث خاصة من المتأخرين. وجاء الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد ابن رجب، فأكثر من استعمال هذه القرينة في كلامه على الأحاديث، مما جعل أهل الاختصاص من المحدثين يتعرفون أكثر فأكثر عليها، ولكنه لم يتناولها نظرياً بالشرح والتحليل والتتبع لتطبيقات علماء العلل كما فعل ابن رجب. وقد أشار بعض المصنفين في علم أصول الحديث من بعد الحافظ ابن حجر إلى ذكر ( سلوك الجادة ) في أجناس العلل تبعاً لأبي عبدالله الحاكم، ومن هؤلاء السيوطي [ 6، جـ1، ص 261 ]، كما أن السخاوي استعمل هذا المصطلح في بعض المواضع، ولكن نقلاً من كلام الحافظ ابن حجر [ 5، جـ1، ص201، 263 ]. ثم بعد قرون نجد العلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي يتناول هذه القرينة بكلام يسلط فيه الضوء على أهميتها، فيقول: " أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف... وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير، فقد يسمع رجل من هشام خبراً بالسند الثاني، ثم يمضي على السامع زمان، فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبراً واحداً، جعله أحدهما: عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر: عن هشام عن أبيه عن عائشة، فالغالب أن يقدموا الأول ويخطئوا الثاني، هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يحصى " [ 18، جـ2، ص 75 ]. فالشيخ المعلمي يؤكد أن كتب علل الحديث قد امتلأت بأمثلة تطبيقية على إعمال قرينة ( سلوك الجادة ) مظنة للوهم، وأن مخالفة الجادة قرينة على الضبط، كما أنه يؤكد بأن أغلب الأخطاء في الأسانيد تكون بسبب ( سلوك الجادة ) ؛ لأن الغالب المألوف هو الذي يسبق إلى الألسنة، ويسرع إلى الأذهان، وفي قوله: " أغلب " محل نظر عندي، ولعل الأدق أن يقال: فإن كثيراً من الأخطاء الواقعة في الأسانيد يكون بسلوك الجادة. والمتأمل في النصوص التطبيقية التي استعمل فيها علماء العلل عبارة ( سلوك الجادة ) وما في معناها، يجد أن تكييفها الفقهي من منظار ( فقه علل الأحاديث ) يشير إلى أنها في حقيقة الأمر تعد تفسيراً لسبب الخطأ، وليست نوعاً من أنواع الحديث الضعيف المستقل بذاته، وعند التأمل أكثر يتضح أن الأحاديث التي يحكم على رواتها بأنهم ( سلكوا الجادة ) لا تخرج عن أن تكون: 1 - إما منكرة باعتبار مخالفة الراوي الضعيف لمن هو أضبط منه. 2 - أو شاذة باعتبار مخالفة الراوي الثقة لمن هو أولى منه صفة أو عدداً. 3 - أو يحكم عليها بأنها من قبيل الحديث المقلوب إسناداً من غير تعمد، وهو نوع من أنواع الحديث الضعيف، وذلك لأن " المقلوب " المذكور آنفاً هو الحديث الذي أبدل فيه راويه شيئاً بآخر في السند سهواً [ 19، ص 435 ] وهنا يبرز سؤال: وما علاقة " المقلوب " بعلم العلل ؟. والجواب: أن أهم مظان " المقلوب " كتب العلل التي اهتمت بمثل هذا النوع كثيراً، ودليل ذلك أن الحافظ ابن حجر حين صنف كتاباً اسماه: " جلاء القلوب في معرفة المقلوب " أفرده من علل الدارقطني بصورة أساسية مع زيادات من غيره [ 5، جـ1، ص 326 - 327 ]، وقد قال ابن حجر: " وأما من وقع منه القلب على سبيل الوهم فجماعة يوجد بيان ما وقع لهم من ذلك في الكتب المصنفة في العلل " [ 4، جـ2، ص 872 ]، وقال أيضاً: " كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللاً أو شاذاً ؛ لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض، ومعرفة من يوافق ممن يخالف، فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ " [ 4، جـ2، ص 874 ]. وسؤال آخر: وما علاقة ( سلوك الجادة ) بالحديث المقلوب ؟. والجواب عن هذا السؤال نجده واضحاً في الأمثلة التي ذكرها ابن حجر في ( المقلوب )، ومنها الحديث الذي تقدم ذكره من كلام الحاكم في أول هذا المبحث، فقد ساقه الحافظ - رحمه الله - من أمثلة المقلوب، ومن كلام الحاكم نفسه [ 4، جـ2، ص 885]. وفي كلام السخاوي، في مبحث "المقلوب " ما يدل على أن ( سلوك الجادة ) هي في الحقيقة نوع من أنواع القلب في الإسناد، فقد ذكر في أمثلة المقلوب سنداً بسبب الوهم والخطأ قصة حدثت ليحيى بن سعيد القطان مع شيخه سفيان الثوري، إذ روى سفيان حديثاً عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ( قال: " لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس ". قال يحيى بن سعيد القطان: تَعِستَ يا أبا عبد الله ! فقال سفيان: كيف هو؟ فقال يحيى: حدثني عبيد الله قال: حدثني نافع عن سالم عن أبي الجراح عن أم حبيبة عن النبي ( قال: صدقت " [ 20، جـ6، ص 426 ]. وقد علق السخاوي على هذه القصة بكلام متين، فقال: " وقد اشتمل هذا الخبر على عظم دين الثوري وتواضعه وإنصافه، وعلى قوة حافظة تلميذه القطان وجرأته على شيخه حتى خاطبه بذلك ونبهه على عثوره حيث سلك الجادة ؛ لأن جل رواية نافع هي عن ابن عمر، فكان قول الذي يسلك غيرها إذا كان ضابطاً أرجح " [ 5، جـ1، ص 327 ]. ويبدو من كلام علماء علل الحديث ما تقدم منه وما سيأتي بعد قليل، أن الراوي إذا روى حديثاً بسند مألوف معروف مشهور متداول بكثرة، وخالفه فيه منه هو مثله أو أقوى منه صفة أو عدداً، فرواه أو رووه عن الشيخ نفسه الذي عليه مدار الحديث، فإن العلماء يخطئون رواية الأول الذي جاء بالسند المشهور، وحجتهم في ذلك أن الطريق المشهور المعروف يكون سهلاً على الذاكرة، وتسبق الألسنة إليه لكثرة تعودها عليه، ولهذا رأيناهم يعبرون عن هذه الحجة بعبارات مثل: ( فلان سلك الجادة )، أو ( لزم الطريق )، أو ( كان هذا أسهل عليه )، أو ( أخذ طريق المجرة )، أو ( جرى على العادة المستمرة ). وأما حجتهم في ترجيح من خالف الجادة، فمبنية على أن الراوي المخالف للطريق المألوف المشهور كان من الأسهل عليه أن لايأتي به من الطريق الآخر الغريب والصعب، ولهذا قال ابن عيينة لما خالفه من سلك الجادة فروى حديثاً عن ابن المنكدر عن جابر: " فأنا من أين أقع على هذا - حدثنا ابن المنكدر - عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع عن جبير بن الحويرث رأيت أبا بكر " [ 21، جـ2، ص 152 ]، وهكذا قال الإمام عبدالرحمن بن مهدي في حديث خالف فيه سفيان بن عيينة مالك بن أنس، فرجح رواية سفيان بقوله: " فمن أين جاء بهذا الإسناد ؟ "، فأعجب سفيان بتفسيره، وقال مؤكداً له: " لو قال لنا صفوان: عن عطاء ؛ لكان أهون علينا من أن نأتي بهذا الإســـناد الشديد " [ 10، جـ6، ص 283 ]. وبما تقدم من تحليل لأسباب احتفاء علماء العلل بقرينة ( سلوك الجادة ) نتبين أنهم راعوا في اعتمادهم عليها الطبيعة البشرية، من حيث الفهم الدقيق والواقعي للعمليات التي تتم في الذاكرة، فتؤدي إلى وقوعها في الخطأ، كما أنهم راعوا مداخل الوهم على الرواة، ومن أهمها المبادرة للمألوف الذي تقتضيه العادة المستمرة وذلك لما فيه من سهولة. ويجدر بنا قبل أن ننهي هذا المبحث أن نشير إلى أمرين لاحظتهما خلال جمع المادة العلمية لهذا البحث. الملاحظة الأولى: أنني لم أجد العلماء استعملوا عبارة ( سلك الجادة ) وما في معناهاإلا في كلامهم على الأسانيد، ما عدا في موضع واحد وقفت عليه للحافظ الإسماعيلي وجدته أشار إلى هذه القرينة في نقده لمتن حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن شيخه عبدالله بن يزيد المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب عن أبي الأسود محمد بن عبدالرحمن عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ( قال: " من قتل دون ماله، فهو شهيد " [ 22، جـ 2، ص 877 ]. قال الإسماعيلي: " وكذا أخرجه البخاري، وكأنه كتبه من حفظه، أو حدث به المقرئ من حفظه، فجاء به على اللفظ المشهور، وإلا فقد رواه الجماعة عن المقرئ بلفظ: " من قتل دون ماله مظلوماً فله الجنة "، ومن أتى به على غير اللفظ الذي اعتيد فهو أولى بالحفظ، ولا سيما وفيهم مثل دحيم، وكذلك ما زادوه من قوله: "مظلوماً " فإنه لا بد من هذا القيد " [ 23، جـ 5، ص 147 ]. وإنما قال الإسماعيلي ذلك، لأن جمعاً من الثقات خالفوا البخاري فرووه عن ابن المقرئ باللفظ الثاني المتقدم، وقد ساق ابن حجر جملة من أسماء هؤلاء الثقات [ 23، جـ 5، ص 147 ]، واللفظ الذي جاء به البخاري هو لفظ غير مستغرب لاعتياد الرواة عليه وسماعهم له في أكثر من حديث، وأما اللفظ الذي جاء به الآخرون فساقوه بلفظ مخالف للمعتاد، فكان هذا كما يرى الإسماعيلي قرينة على الضبط والحفظ. ولم يتيسر لي الوقوف على نص واضح غيره استعمل فيه أحد علماء الحديث قرينة ( سلوك الجادة ) في المتن، وإن كنت لا أستبعد وجود مثل ذلك، خاصة في بعض النصوص مثل: "من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " فإن مثل هذا اللفظ يمكن أن يسلك فيه أحد الرواة الجادة فيزيد كلمة " وما تأخر" باعتبار أنها من المتن، ولا يكون الأمر كذلك. وعلى أية حال الذي يعنينا هنا أن نقرر أن استعمال قرينة ( سلوك الجادة ) نادر في المتون، بعكس الأسانيد، وتعليل ذلك في نظري أن الأسانيد منها ما يكون سلسلة معروفة كنافع عن ابن عمر، أو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو همام بن منبه عن أبي هريرة، ويروى بكل سند منها عشرات المتون المختلفة المتنوعة، فالسند يتكرر كثيراً بهذا الاعتبار، مما يجعل الرواة يعتادون عليه، أما المتون فهي متنوعة في ألفاظها وتراكيبها وأساليبها، فيقل إن لم يكن في حكم النادر أن توجد مجموعة من الجمل أو العبارات المتكررة في عدد من المتون. الملاحظة الثانية: لم أجد بعض علماء العلل استعملوا عبارة ( سلك الجادة ) أو ما شابهها في أحكامهم على الأحاديث، ومن أولئك مثلاً: ابن المديني، والدارقطني مع سعة كتابه في العلل وضخامته. إلا أنه بالنظر في تطبيقاتهم العملية - رحمهم الله تعالى - نجد أن هذه القرينة كانت حاضرة في نقدهم، وأحكامهم من دون شك، وإن لم يعبروا عنها بألفاظ صريحة كالتي تقدم بيانها. ودليل ذلك من تطبيقات الإمام علي بن المديني مثلاً أنه رجح رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث، على رواية عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: " والأعمش أثبت في أبي صالح من غيره " [ 24، ص 80 ]. وقد علق الحافظ ابن حجر مفسراً وموضحاً سبب هذا الترجيح فقال: " فعرف من كلامه أن من قال فيه: عن أبي صالح عن أبي هريرة، فقد شذ، وكان سبب ذلك شهرة أبي صالح بالرواية عن أبي هريرة، فيسبق إليه الوهم ممن ليس بحافظ، وأما الحفاظ فيميزون ذلك " [ 23، جـ7، ص 43 ]. وقد وافق الدارقطني ابن المديني على الترجيح نفسه [ 25، جـ10، ص 106-108 ]. وقد وجدت في نصوص الدارقطني وترجيحاته في " علله " ما يثبت بأنه قد اعتمد على هذه القرينة، ومن أمثلة ذلك أنه ذكر رواية ليزيد بن إبراهيم التُستري وهو ثقة ثبت [ 14، ص 599 ] عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكر حديثاً، وقد خالفة أيوب السختياني وهو ثقة ثبت أيضاً [ 14، ص 117 ] فذكر الحديث عن محمد بن سيرين عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، ثم قال: " وحديث أبي بكرة هو المحفوظ " [ 25، جـ 10، ص 26 ]، ولا يخفى على طلاب الحديث أن محمد بن سيرين مكثر عن أبي هريرة حيث إن عدد أحاديثه في الكتب الستة عنه بالمكرر بلغت ثلاثة وثمانين ومائة حديث [ 26، جـ 10، ص 328 - 361 ]، ولم يرو ابن سيرين عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه إلا أربعة أحاديث في الكتب الستة [ 26، جـ9، ص 44 - 53 ]، وبهذا يعلم أن الدارقطني رجح رواية أيوب ؛ لأنها مخالفة للجادة وتلك قرينة على الإتقان والضبط، وأما يزيد فقد سلك الجادة وتلك قرينة على الخطأ لاسيما مع وجود المخالفة، ولقد كان بوسع الدارقطني أن يصحح الوجهين عن ابن سيرين لكون يزيد وأيوب من الثقات الأثبات، ولكنه اختار الترجيح لا الجمع بناء على قوة قرينة الترجيح ؛ لكونها أقوى من الاحتمال بصحة الوجهين. والأمثلة على تطبيق هذه القرينة عند الدارقطني كثيرة يمكن مراجعتها في مظانها [ 25، ج 3، ص 52، ص 92، ص 169 ؛ ج 6، ص 226 ؛ ج 9، ص 53، ص 67 ]. أمثلة من نصوص علماء العلل التطبيقية وجدت بالتتبع أن العلماء الذين استعملوا عبارة ( سلوك الجادة ) وما في حكمها باعتبارها قرينة على خطأ الراوي، وأن مخالفة الجادة قرينة على ضبط الراوي وإتقانه بلغوا أحد عشر عالماً، ولا يعني هذا عدم وجود غيرهم، ولكن أقول حسب مبلغي من العلم، وسأعرض فيما يلي نصوص كل إمام، فإن كانت نصوص أحدهم كثيرة كما هي حال أبي حاتم الرازي، وابن عدي، وابن حجر، فسأكتفي بعرض أربعة نصوص خشية الإطالة، وأحيل على الباقي لمن أراد الاستزادة، والذي يظهر لي أن أقدم من تنبه لهذه القرينة واستعملها في الترجيح هو سفيان بن عيينة أو عبدالرحمن بن مهدي، قال ابن رجب في معرض شرحه لقرينة ( سلوك الجادة ): " وقد سبق إلى نحو ذلك ابن عيينة، وابن مهدي "، ولم أستطع الجزم الأكيد أيهما أسبق ؛ لأنهما كانا في عصر واحد، وإن كان ابن عيينة أقدم وأسن، إلا أنهما قد ماتا في سنة واحدة هي سنة ثمان وتسعين ومائة[ 14، ص 245، ص 351 ]، فالجزم بأن أحدهما سبق الآخر يحتاج إلى دلائل واضحة، وهذا ما نفتقده، إلا أنني سأبدأ بذكر ابن عيينة باعتبار أنه الأكبر سناً. أولاً: الإمام سفيان بن عيينة فقد روى حديثاً عن شيخه محمد بن المنكدر أنه سمع سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع يخبر عن جبير بن الحويرث قال: رأيت أبا بكر رضي الله عنه.. الحديث، فقيل لسفيان: إن منكدراً - يعني ابن محمد بن المنكدر - يقول: عن أبيه عن جابر ؟!. فقال سفيان: فأنا من أين أقع على هذا سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع عن جبير بن الحويرث: رأيت أبا بكر رضي الله عنه ؟ [ 21، جـ 2، ص 152 ]. وبين تفسير ذلك بصورة أكثر وضوحاً في قوله: "هذا كان أهون عليه " [ 15، جـ 2، ص 701 ] يعني أن المنكدر بن محمد بن المنكدر وهو لين الحديث [ 14، ص 547 ]، سلك الجادة فروى الحديث عن أبيه عن جابر، وغالب مرويات محمد بن المنكدر عن جابر فكان هذا السند المشهور المألوف أسهل عليه من السند الآخر الصعب الذي حفظه سفيان . ثانياً: عبدالرحمن بن مهدي قال الحميدي ثنا سفيان - يعني ابن عيينة - حدثنا صفوان بن سليم عن امرأة يقال لها: أنيسة عن أم سعيد بنت مرة الفهرية عن أبيها أن رسول الله( قال: " أنا وكافل اليتيم له أو لغيره في الجنة كهاتين وأشار بإصبعيه ". " قيل لسفيان: فإن عبد الرحمن بن مهدي يقول: إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك. قال سفيان: وما يدريه ؟! أدرك صفوان ؟ فقالوا: لا، ولكنه قال: إن مالكاً قاله عن صفوان عن عطاء بن يسار، وقال سفيان: عن أنيسة عن أم سعيد بنت مرة عن أبيها، فمن أين جاء بهذا الإسناد ؟ قال سفيان: ما أحسن ما قال ! لو قال لنا صفوان: عن عطاء بن يسار كان أهون علينا من أن نجيء بهذا الإسناد الشديد " [ 15، جـ 2، ص 707 ؛ 10، جـ 6، ص283 ]. ونلحظ هنا إعجاب ابن عيينة بكلام ابن مهدي وتفسيره لسبب ترجيحه لروايته على رواية مالك، وقد سبق آنفاً معنا أن ابن عيينة نفسه قد استعمل هذه القرينة أيضاً في تخطئته للمنكدر بن محمد بن المنكدر، وكلام ابن مهدي مبني على أن صفوان بن سليم وهو من الثقات المشاهير [ 14، ص 276 ]، معروف بالرواية عن عطاء بن يسار، ففي الكتب الستة فقط خمسة أحاديث من روايته عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه [ 26، جـ 10، ص 274-275 ]، وكذلك روى عن عطاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ثلاثة أحاديث في الكتب الستة فقط [ 26، جـ3، ص 404-405، ص 410، ص 413]، وهذا يدل على تعدد رواية صفوان عن عطاء وتكررها على الأقل في ثمانية أحاديث متصلة مرفوعة، وأما رواية صفوان عن أنيسة لا توجد إلا في الحديث السابق فقط، بل إن أنيسة هذه غير معروفة عند العلماء [ 14، ص 744 ]، وليس لها رواية من حيث العموم غير حديثها السابق، وبناء على هذه المعلومات يتضح لنا وجاهة ترجيح الإمام عبدالرحمن بن مهدي، حيث تنبه وفطن إلى أن ابن عيينة روى عن صفوان حديثاً بسند غريب يصعب حفظه، وأن الإمام مالكاً قد رواه عن صفوان عن شيخه عطاء بن يسار، ولو كان الحديث عن عطاء محفوظاً كما رواه مالك ؛ لكان من اليسير على حافظ ثبت مثل ابن عيينة أن يحفظه لسهولته، ولتكرره في جملة من الأحاديث. وهذا تطبيق عملي من الإمام عبدالرحمن بن مهدي - رحمه الله - لقرينة ترجيح رواية من خالف الجادة على من سلكها، مع أن المفاضلة هنا بين جبلين من جبال الحفظ: مالك بن أنس من جهة، وسفيان بن عيينة من جهة أخرى، مما يؤكد أن مجال تطبيق هذه القرينة غير مقتصر على سيئ الحفظ أو قليله. وقد وافق أبو حاتم الرازي وكذلك أبو زرعة الرازي الإمام ابن مهدي على ترجيحه، فرجحا رواية ابن عيينة على رواية مالك كما تقدم [ 8، جـ2، ص 177 ]. ثالثاً: الإمام الشافعي وقفت على نص واحد فط للإمام الشافعي طبق فيه قرينة ( سلوك الجادة ) بوصفهـــا مظنة لخطأ الراوي، بيد أنه - كما تقدم - لم يســـــــــتعمل لفظة ( الجادة ) وإنما ( المجرة )، وفي ذلك النص انتقد الشافعي شيخه سفيان بن عيينة حين روى حديثاً: عن الزهري عن عروة عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري: " صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصبح بمكة، ثم طاف بالبيت سبعاً، ثم خرج وهو يريد المدينة، فلما كان بذي طوى، وطلعت الشمس، صلى ركعتين ". فقال - رحمه الله -: " اتّـبَعَ سفيان بن عيينة في قوله عن الزهري عن عروة عن عبدالرحمن المجرة " قال ابن أبي حاتم: " يريد لزم الطريق " [ 9، ص 227 ]. قال ابن أبي حاتم موضحاً وشارحاً كلام الشافعي الآنف : " وذلك أن مالكاً،ويونس بن يزيد، وغيرهما رووا الحديث عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن عبدالرحمن بن عبد القاري عن عمر، فأراد الشافعي أن ابن عيينة وهم، وأن الصحيح مارواه مالك " [ 9، ص 228 ]. فوجه الخلاف بين ابن عيينة والآخرين في ذكر اسم شيخ الزهري في هذا الحديث: هل هو عروة بن الزبير كما ذكر ابن عيينــــة أو حميد بن عبدالرحمن كما ذكر مالك وغيره؟ والذي رجحه الشافعي ووافقه عليه الإمام أحمــد بن حنبل [ 21، جـ3، ص 390 ]، رواية مالك ومن معه، بل قال أبو حاتم: " روى كل أصحاب الزهري عن الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن عبدالرحمن بن عبد القاري عن عمر، وهو الصحيح " [8، جـ1، ص 282 ]. وقد كان ابن عيينة يعلم بمخالفة مالك وآخرين له في هذا الحديث، ومع ذلك فقد كان واثقاً من نفسه، وقال لمن راجعه في هذا الأمر: " أما أنا فأحفظه عن عروة " [ 15، جـ 2، ص 723]، وذكر الأثرم أن ابن عيينة قد توبع في روايته لهذا الحديث [ 23، جـ3، ص 489 ]. والذي يبدو أن أئمة علم العلل كأحمد وأبي حاتم الرازي وابنه، ومعهم الإمام الشافعي لم يقتنعوا بصحة رواية ابن عيينة، وعمدتهم في ذلك - فيما يبدو - ما ذكره الإمام الشافعي من أن ابن عيينة ( اتبع المجرة ) أي ( لزم الطريق ) كما فسرها ابن أبي حاتم، وهذا صحيح فإن رواية الزهري عن عروة عن عبدالرحمن بن عبد القاري مشهورة أكثر من رواية الزهري عن حميد عن القاري، ودليل ذلك أن المزي ذكر أربعة أحاديث بالسند الأول، ولم يذكر بالسند الثاني إلا حديثاً واحداً فقط [ 26، جـ 8، ص79-81 ]، فمن جاء بالسند الثاني خالف الجادة، وهذه قرينة ترجيح لروايته تدل على مزيد ضبط، ومن جاء بالسند الأول كابن عيينة فقد سلك الجادة في ذلك، وتكون روايته مظنة الخطأ، مع كون الراوي لها ثقة من كبار الأئمة، وليس من المتكلم فيهم، ومع ذلك طبقوا هذه القرينة حتى في حقه، وقد كان من الممكن أن يقال: الكل صحيح ؛ لكون المخالف وهو ابن عيينة ثقة ثبت، ولكون الزهري معروف بالرواية عن حميد وعن عروة، كما أنه من المتوسعين في الرواية، ولكن أولئك الأئمة لم يلتفتوا إلى هذه الأمور، وقدموا العمل بالقرينة المذكورة لقوتها عندهم. رابعاً: الإمام أحمد بن حنبل وقفت على نصين للإمام أحمد طبق فيهما بوضوح القرينة السابق ذكرها، فقد سأله أحد طلابه عن عبد الرحمن بن أبي الموالِ فقال: " عبد الرحمن لا بأس به، كان محبوساً في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثاً لابن المنكدر عن جابر عن النبي ( في الاستخارة ليس يرويه أحد غيره، هو منكر. قلت: هو منكر ؟! قال: نعم، ليس يرويه غيره، وهو لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس يحيلون عليهما " [ 13، جـ4، ص 308 ] فالإمام أحمد - رحمه الله - يطعن في حديث الاستخارة الذي رواه ابن أبي الموال عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً، معللاً طعنه بأمرين: 1 - تفرد ابن أبي الموال بروايته لهذا الحديث عن ابن المنكدر، والذي يبدو لي أن تفرده غير محتمل عند الإمام أحمد، وذلك لأن ابن المنكدر من الرواة المكثرين المعروفين بأن لهم تلامذة من الثقات ملازمين لهم، ولا يعرف هذا الحديث عن ابن المنكدر إلا من طريقه فقط، مع أن المتن المروي يتضمن ما يقتضي شهرته وانتشاره إذ ورد فيه أن رسول الله ( كان يعلمهم الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن [ 22، جـ1، ص 391 ]، وهذا يلزم منه التكرار المقتضي للانتشار والشهرة عن الرسول ( أو عن جابر أو عن ابن المنكدر؛ لأن ظاهر سياق المتن يشير إلى مدى حاجة الناس الماسة للاستخارة. 2 - أن أهل المدينة ومنهم ابن أبي الموال هذا كان من عادتهم إذا أخطأوا في حديث يقولون: ابن المنكدر عن جابر ؛ لشهرة هذا الإسناد عندهم، وعليه فيرجح الأمام أحمد خطأ هذا الحديث بمجموع هذين الأمرين. والملاحظ هنا أنه لا يوجد مخالف لابن أبي الموال عن ابن المنكدر، و مع ذلك فإن الإمام أحمد طبق قرينة ( سلوك الجادة ) مرجحاً بها خطأ الراوي، لِما قوي في ظنه من خطأ المتفرد بهذا الحديث بما ذكرناه آنفاً. وقد خالف الإمام البخاري شيخه الإمام أحمد في هذا الحديث حيث صححه واحتج به [ 22، جـ 5، ص2345 ]، وساق ابن حجر شواهد له عن عدد من الصحابة الآخرين [ 23، جـ11، ص184 ] ويبدو لي أن البخاري احتج بالحديث لشواهده، ولأنه لا يوجد مخالف لابن أبي الموال. ويستفاد من كلام الإمام أحمد المتقدم، أن من منهجه - رحمه الله - أن ( سلوك الجادة ) - وهي هنا الرواية عن ابن المنكدر عن جابر - تستعمل بوصفها قرينة ترجيح على خطأ الراوي إذا اعتضدت بالتفرد غير المحتمل، ولو لم تأت رواية مخالفة لذلك الراوي. وفي نص آخر سأل عبدالله بن أحمد أباه عن حديث هشيم عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النبي ( في رفع اليدين في الصلاة ؟ فقال: " رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل عن النبي (، خالف حصين شعبة، وشعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين. القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل ؟! " [ 21 جـ1، ص463 ] وظاهر من هذا النص أن الإمام أحمد طبق قرينة الترجيح بمخالفة الجادة بدلالة قوله مفسراً سبب ترجيحه لرواية شعبة: " من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبدالرحمن اليحصبي عن وائل ؟! "، وقد وضح ابن رجب معنى هذا الكلام في معرض شرحه لقرينة سلوك الجادة بقوله: " يشير إلى أن هذا إسناد غريب لا يحفظه إلا حافظ، بخلاف علقمة بن وائل عن أبيه، فإنه طريق مشهور " [ 3، جـ 2، ص 729 ]، وهذا صحيح فإن إسناد علقمة بن وائل عن أبيه إسناد مشهور، بل هو أشهر إسناد تروى به أحاديث وائل بن حجر رضي الله عنه، ويوجد في الكتب الستة بهذا السند اثنا عشر حديثاً بالمكرر [ 26، جـ9، ص 85-89 ]، بينما لا يوجد بالسند الذي رواه شعبة أي حديث في الكتب الستة، بل لم أجد متناً آخر روي بالسند نفسه إلى وائل بن حجر رضي الله عنه غير الحديث السابق. والملاحظ هنا أن الإمام جعل رواية حصين بن عبدالرحمن السلمي مرجوحة مع أنه قال فيه: " ثقة مأمون من كبار أصحاب الحديث " [ 27، جـ3، ص 193 ]، فترجيحه لرواية شعبة ليس بسبب ضعف حصين، بل لأن شعبة خالف الجادة في روايته، فجاء بسند عن عمرو بن مرة لا يأتي به إلا حافظ لغرابته، وأما حصين فسلك الجادة، بالإضافة لكون شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين. ومن المهم أن نعرف أن ترجيح رواية شعبة على رواية حصين إنما هو باعتبار الأصح عن عمرو بن مرة فقط، وإلا فإن أصل الحديث محفوظ عن علقمة بن وائل عن أبيه من غير طريق حصين كما يدل على ذلك احتجاج الإمام مسلم به[ 28، جـ1، ص 301 ]، ومثل هذا لا يخفى على الإمام أحمد، فقد ذكره في مسنده [ 20، جـ4، ص 317 ]، وكان بوسعه - رحمه الله - أن يصحح رواية حصين باعتبار أن أصل الحديث محفوظ عن علقمة بن وائل، وباعتبار آخر وهو أن أكثر خطأ شعبة كان في الأسماء كما صرح الإمام أحمد بنفسه [ 27، ج 4، ص 370 ] فيحتمل أنه أخطأ هنا في رواة السند، ولكن الإمام أحمد آثر الترجيح على الجمع هنا، ولم يلتفت لشيء من ذلك، والسبب في نظري راجع إلى قوة القرينة عنده، كما يدل على ذلك مؤدى كلامه الآنف. خامساً: الإمام أبو حاتم الرازي وجدت لأبي حاتم ثمانية نصوص صرح فيها بأن أحد الرواة " لزم الطريق " وهذا اصطلاحه في من ( سلك الجادة ) من الرواة، ولعله لهذا وصف ابن رجب أبا حاتم بكثرة تعليله للأحاديث بهذه القرينة [ 3، جـ 2، ص 726 ]. ومن نصوصه التي استعمل فيها قرينة ( لزوم الطريق ) باعتبارها مظنة خطأ الراوي إذا خولف: أنه سئل عن حديث رواه محمد بن سليمان الأصبهاني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ( " أنه كان يصلي في اليوم والليلة اثنتي عشر ركعة ". فقال: " هذا خطأ، رواه سهيل عن أبى إسحاق عن المسيب بن رافع عن عمرو بن أوس عن عنبسة عن أم حبيبة عن النبي (، وكنت معجباً بهذا الحديث، وكنت أرى أنه غريب، حتى رأيت سهيل عن أبي اسحاق عن المسيب عن عمرو بن أوس عن عنبسة عن أم حبيبة عن النبي (، فعلمت أن ذاك لزم الطريق " [ 8، جـ1، ص 106 ]. فقول أبي حاتم: " فعلمت أن ذاك لزم الطريق " يعني محمد بن سليمان بن عبدالله الكوفي، أبو علي الأصبهاني، وقد قال فيه أبو حاتم: " لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتج به " [ 27، جـ 7، ص 267 ]، وأما المخالف له فهو فليح بن سليمان المدني، وهو الذي روى الحديث عن سهيل بالسند الثاني الذي رجحه أبو حاتم، كما أخرجه النسائي [ 29، جـ1، ص 462 ]، وابن خزيمة [ 30، جـ2، ص205 ]، والدارقطني [ 25، جـ 8، ص 185 ]، ولكن عندهم بدون ذكر عمرو بن أوس، وإنما جاء ذكره في حديث رواه محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عنه عن عنبسة عن أم حبيبة به، كما ذكره النسائي [ 31، جـ 3، ص 262 ]، وفليح قال فيه أبو حاتم: " ليس بالقوي " [ 27، جـ 7، ص 84 ]. ويبدو من النقول السابقة أن أبا حاتم رجح رواية فليح ؛ لأنه خالف الجادة، وخطّأ رواية الأصبهاني ؛ لأنه سلكها، ولزم الطريق المشهور وهو سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وهو من الأسانيد المألوفة جداً عند المحدثين بحيث إنه يوجد في الكتب الستة فقط أكثر من مئتي حديث بهذا السند [ 26، جـ 9، ص 394-425 ]. والملاحظة التي تتبدى لنا من كلام أبي حاتم في الأصبهاني وفليح تدل على أنهما في منزلة متقاربة عنده من حيث عدم القوة فكلاهما يشتركان في أنهما عنده ممن يكتب حديثه ولا يحتج به، مما يجعل احتمال أن عدم ترجيح رواية أحدهما على الآخر أمر وارد، إلا أن أبا حاتم رأى - فيما يبدو لي - أن قرينة مخالفة الجادة تدل على مزيد ضبط فليح لهذا الحديث، وأن سلوك الجادة يدل على خطأ محمد بن سليمان الأصبهاني ووهمه. ومن المهم أن نعلم أن النتيجة التي وصل إليها أبو حاتم، وافقه عليها النسائي، فخطّأ رواية الأصبهاني، وقال عن سند فليح الذي رواه: " هذا أولى بالصواب عندنا، وفليح ليس بالقوي " [ 30، جـ 1، ص 462 ]، وكذلك قال الدارقطني: " وقول فليح أشبه بالصواب " [ 25، جـ 8، ص 185 ]، ومع أن النسائي والدارقطني لم يشيرا إلى أن قرينة مخالفة الجادة هي السبب في ترجيحهما لرواية فليح إلا أن كلام أبي حاتم السابق يبين ذلك ويفسر لنا لماذا رجحت رواية من قالوا فيه: إنه ليس بالقوي. وفي نص ثان: سئل أبو حاتم: عن حديث رواه المبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس عن النبي ( أنه قال: "إذا أحب الرجل أخاه فليعلمه" ؟. قال أبو حاتم: " ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن حبيب بن سبيعة الضبعى عن رجل حدثه عن النبي ( مرسل.. هذا أشبه، وهو الصحيح، وذاك لزم الطريق " [ 8، جـ2، ص 249 ]. والموازنة هنا جرت بين المبارك بن فضالة، وحماد بن سلمة في روايتيهما للحديث السابق عن ثابت البناني، فأما المبارك فرواه عنه عن أنس، وهذا سند معروف مألوف حيث اشتهر ثابت البناني بكثرة روايته عن أنس رضي الله عنه [ 26، جـ 1، ص 103 - 156 ]، وأما حماد بن سلمه فروى الحديث عن ثابت بسند غريب غير مألوف، فرجح أبو حاتم رواية حماد بن سلمة بقرينة مخالفته للجادة، وخطّأ رواية المبارك بقرينة سلوكه للجادة، وهي مظنة الخطأ. وفي ذلك يقول ابن رجب: " هكذا رواه حماد بن سلمة، وهو أحفظ أصحاب ثابت، وأثبتهم في حديثه، وخالفه من لم يكن في حفظه بذاك من الشيوخ الرواة عن ثابت، كمبارك بن فضالة، وحسين بن واقد، ونحوهما، فرووه عن ثابت عن أنس عن النبي ( ، وحكم الحفاظ هنا بصحة قول حماد، وخطأ من خالفه، منهم: أبو حاتم، والنسائي، والدارقطني " [ 3، جـ2، ص 726 ]. وما قاله ابن رجب صحيح فقد صرح كبار النقاد، ومنهم أبو حاتم الرازي على أن حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني [ 27، جـ 3، ص 141 ]، كما أن روايته للحديث عن ثابت بالكيفية السابقة تتفق مع حقيقة أن من أهم قرائن الترجيح في علم العلل الترجيح بمخالفة الجادة، ومن الملفت للنظر أن المبارك بن فضالة توبع متابعة تامة في روايته عن ثابت من قبل الحسين بن واقد، كما جاء عند أحمد [ 20، جـ 3، ص 141 ]، والنسائي [ 32، ص 222]، وابن حبان [ 33، جـ2، ص 330 ]، والحسين ثقة له أوهام [ 14، ص 169 ]، ومع ذلك فلم يكن مثل هذه المتابعة كافية لأبي حاتم ليقول: لعل لثابت أكثر من إسناد في هذا الحديث، بل كان - رحمه الله - جازماً في أن رواية حماد هي الصحيحة وأن رواية المبارك خطأ بسبب سلوكه للجادة . وهذا ما انتهى إليه النسائي في الحكم على الحديث السابق، فقد قال بعد أن ذكر رواية حماد بن سلمة: " وهذا الصواب عندنا، وحديث حسين بن واقد خطأ، وحماد بن سلمة أثبت - والله أعلم - بحديث ثابت من حسين بن واقد " [ 32، ص 223 ]، وكذلك الدارقطني فقد قال: " والقول قول حماد " [ 34، جـ 5، ص 18 ]. ومما يسترعي الانتباه هنا أن ابن حبان قد صحح الحديث من طريق الحسين بن واقد عن ثابت عن أنس [ 33، جـ2، ص330 ] ، وكذا الحاكم صحح الحديث من طريق المبارك بن فضالة المتقدم [ 35، جـ4، ص 171 ]، وهذا مما يدل على أن بعض بالموصوفين بالتساهل كابن حبان والحاكم وغيرهما، قد لا يراعون في تطبيقاتهم وأحكامهم قرينة سلوك الجادة كما يراعيها أئمة علم العلل كأبي حاتم الرازي، وأبي عبدالرحمن النسائي، وأبي الحسن الدارقطني وغيرهم. وفي نص ثالث: سئل عن حديث رواه محمد بن إسحق عن الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي ( " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً "، ورواه محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ( فقال أبو حاتم: " حديث الحارث أشبه، ومحمد بن عمرو لزم الطريق " [8، جـ2، ص266 ]. والخلاف في هذا الحديث في اسم الصحابي الذي يروي عنه أبو سلمة هذا الحديث أهو أبو هريرة رضي الله عنه أم عائشة رضي عنها ؟ والملفت للنظر في هذا النص أن أبا حاتم رجح رواية الحارث مع كونه أقل شهرة وشأناً من محمد بن عمرو، وقد قال في الحارث: " يروي عنه الدراودي أحاديث منكرة، وليس بذاك القوي، يكتب حديثه " [ 27، جـ 3، ص 79 ]، وقال في محمد: " صالح الحديث، يكتب حديثه، هو شيخ " [ 27، جـ 8، ص 30 ]، وسبب الترجيح لرواية الحارث كما هو ظاهر النص بسبب قرينة مخالفة الجادة، وهذا يدلنا على قوة هذه القرينة عند أبي حاتم، حيث قدمها على قرينة أخرى مهمة من قرائن الترجيح في علم العلل، وهي الترجيح بالملازمة، إذ من المعروف أن محمد بن عمرو من المكثرين والملازمين لأبي سلمة [ 26، جـ11، ص 3 -23 ] وإن كان ليس بالمتقن لكل ما يرويه عنه كما أشار ابن معين وغيره [ 27، جـ 8، ص30 ]، ولو لم تكن قرينة الترجيح بمخالفة الجادة أقوى من غيرها في نظر أبي حاتم لما أقدم على ذلك. وأمر آخر يسترعي الانتباه، وهو أن أبا سلمة معروف بالرواية عن عائشة و أبي هريرة رضي الله عنهما، نعم هو مكثر عن أبي هريرة رضي الله عنه جداً حيث بلغت عدد مروياته عنه في الكتب الستة فقط ما يقارب الخمسمائة حديث بالمكرر [ 26، جـ10، ص 457 - 475 ؛ جـ11، ص 3 -83 ]، غير أنه ليس بالمقل عن عائشة رضي الله عنها فقد روى عنها ما يقارب المائة حديث بالمكرر [ 26، جـ 12، ص 343-374 ]، وعليه فلا تعد رواية الحارث عن أبي سلمة عن عائشة من الأسانيد النادرة أو القليلة، بل ربما عدت من الجادات المشهورة المألوفة التي قد يسلكها بعض الرواة، والذي يبدو لي أن أبا حاتم وازن في النص السابق بين طريقين أحدهما مشهور، والآخر أشهر، فجعل من جاء بالأشهر سالكاً للجادة، وعليه تكون روايته مظنة الخطأ، وجعل من جاء بالطريق المشهور هو المخالف للجادة ورجح روايته، ولعل ذلك باعتباره الأقل شهرة ووروداً على ألسنة المحدثين نسبياً. والملاحظ هنا أن عدداً من العلماء خالفوا أبا حاتم في تخطئته لرواية محمد بن عمرو السابقة، منهم الترمذي فقد صححها [ 36، جـ3، ص466 ]، وكذلك ابن حبان [ 33، جـ9، ص 483 ]، والحاكم [ 35، جـ1، ص 3 ]، ورجح محمد بن يحيى الذهلي أن يكون الحديث محفوظاً عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما معاً [ 37، جـ6، ص 232 ]، ولا أجد تفسيراً لاختيار أبي حاتم تخطئة رواية محمد بن عمرو إلا أنه كان مقتنعاً بصورة أكيدة بقوة قرينة الترجيح بمخالفة الجادة، وإلا فقد كان بوسعه أن يقول بصحة الوجهين كما فعل الذهلي على أقل تقدير. وفي نص رابع: سئل عن حديث رواه ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر عن النبي ( قال: " من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة فقد طبع على قلبه "، ورواه الدراوردي عن أسيد عن ابن أبي قتادة عن أبيه عن النبي (. أيهما أشبه بالصواب ؟. فقال: " ابن أبي ذئب أحفظ من الدراوردي، وكأنه أشبه، وكأن الدراوردي لزم الطريق " [ 8، جـ1، ص: 203 ]. والخلاف هنا بين محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب و عبدالعزيز بن محمد الدراوردي في هذا الحديث أهو من مسند جابر أم من مسند أبي قتادة رضي الله عنهما ؟ والذي رجحه أبو حاتم هنا أن الحديث من مسند جابر رضي الله عنه كما جاء في رواية ابن أبي ذئب، وسبب الترجيح عنده كما أبداه أن ابن ذئب أحفظ من الدراوردي الذي لزم الطريق يعني سلك الجادة، وبيان ذلك أن عبدالله بن أبي قتادة معروف بالرواية عن أبيه، بل لم يرو أحد عن أبيه أكثر منه [ 26، حـ 9، ص 247-259 ]، وأما حديثه عن جابر فهو نادر جداً، بل لم أجد لعبدالله بن أبي قتادة عن جابر غير هذا الحديث فقط. وقد وافق الإمام ابن خزيمة أبا حاتم على ذلك فاختار في صحيحه رواية ابن أبي ذئب، وأعرض عن رواية الدراوردي [ 30، جـ 3، ص 175- 176]، وكذلك الدارقطني وافقه على ترجيح رواية ابن أبي ذئب [ المخطوط، ج4، ق 130/أ ]. وأما الحاكم فمال إلى تصحيح الحديث من الوجهين، فصحح حديث جابر من رواية ابن أبي ذئب [ 35، جـ1، ص292 ]، وصححه من حديث أبي قتادة من رواية الدراوردي [ ا35، جـ 2، ص 488 ]. ويمكن الوقوف على المتبقي من نصوص أبي حاتم الأخرى غير ما تقدم لمن أراد الاستزادة في مظانها[ 8، جـ1، ص 21، ص 428 ؛ جـ2، ص 109، ص 225، ]. ومن المهم أن يعلم أن النصوص السابقة هي التي صرح فيها أبو حاتم بتلك القرينة، كما أنه استعمل في بعض النصوص عبارة أخرى هي: فلان سلك الطريق الأسهل [ 8، جـ1، ص 315، ص 359 ؛ جـ2، ص 60، ص 354 ]. أما النصوص التي طبقها من دون تصريح بالقرينة الآنفة فهي كثيرة جداً. سادساً: الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة لم أجد لابن خزيمة إلا نصاً واحداً ذكر فيه أن من طريقة الشافعي أن يقول في مثل ذلك : " فلان أخذ طريق المجرة ". فقد ذكر رواية لحيان بن عبيد الله قال فيها: حدثني عبد الله بن بريده عن أبيه قال قال رسول الله ( " إن عند كل آذانين ركعتين ما خلا المغرب ". فقال ابن خزيمة بعد أن ذكره: " حيان بن عبيد الله هذا قد أخطأ في الإسناد ؛ لأن كهمس بن الحسن وسعيد بن إياس الجريري وعبد المؤمن العتكي، رووا الخبر عن ابن بريدة عن عبد الله بن مغفل لا عن أبيه، وهذا علمي من الجنس الذي كان الشافعي - رحمه الله - يقول: أخذ طريق المجرة، فهذا الشيخ لما رأى أخبار ابن بريدة عن أبيه توهم أن هذا الخبر هو أيضاً عن أبيه، ولعله لما رأى العامة لا تصلي قبل المغرب توهم أنه لا يصلى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمه في الخبر، وزاد علمنا بأن هذه الرواية خطأ أن ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة قد سمع من أبيه عن النبي ( هذا الاستثناء الذي زاده حيان بن عبيد الله في الخبر ما خلا صلاة المغرب، لم يكن يخالف خبر النبي ( " [ 10، جـ 2، ص 474 ]. وكلام ابن خزيمة هنا يتسم بالوضوح والتفصيل، وقد بين أن حيان بن عبيدالله أبا زهير العدوي البصري، قد خالف الثقات في إسناد الحديث ومتنه، وأن سبب مخالفته للإسناد سلوك الجادة التي سماها تبعاً للإمام الشافعي بطريق المجرة، وأما المتن فقد انقلب عليه فقد رواه الثقات عن عبدالله بن بريدة عن ابن مغفل مرفوعاً: " بين كل أذنين صلاة " كما عند البخاري [ 22، جـ1، ص225 ]، ومسلم [28، جـ1، ص 573 ]، وفي رواية صحيحة أخرى عند البخاري: " صلوا قبل صلاة المغرب " [ 22، جـ1، ص 396 ]، وزاد كهمس بن الحسن وهو ثقة عن ابن بريدة أنه كان يصلي قبل المغرب ركعتين[30، جـ2، ص 266 ]، فاتضح بهذا أن حيان بن عبيدالله خالف في هذا الحديث سنداً ومتناً، ولهذا رجح الدارقطني رواية الثقات وصححها، وحكم على حيان بأنه ليس بقوي [ 38، جـ1، ص 265 ]، وكذلك البيهقي أيضاً ذكر نحواً من ذلك[ 10، جـ2، ص 474 ]، وقال ابن حجر في بيان حكمه على الحديث: " وأما رواية حيان فشاذة ؛ لأنه وإن كان صدوقاً عند البزار وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه، وقد وقع في بعض طرقه... وكان ابن بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب، فلوكان الاستثناء محفوظاً لم يخالف ابن بريدة روايته " [ 23، جـ2، ص 108 ]، وأما ابن الجوزي فحكم على حديث حيان بالوضع [ 39، جـ2، ص 92 ]. وبما تقدم نعلم أن جمهور العلماء على تضعيف الحديث، وذلك لأن حيان بن عبيد الله مختلف فيه ذكره ابن حبان في الثقات [ 17، جـ 6، ص 230 ]، وذهب أبو حاتم إلى أنه صدوق [ 27، جـ 3، ص 246 ]، ويرى البزار أنه لابأس به [ 40، جـ1، ص334 ]، وضعفه العقيلي و ابن عدي والدارقطني والبيهقي [ 41، جـ 2، ص 370 ]، وقد خالف فيه هذا الحديث من هو أوثق منه كما تقدم، ومما يؤكد ضعفه أنه سلك الجادة في سند الحديث كما ذكر ذلك ابن خزيمة، ويتضح ذلك بمعرفة أن عبدالله بن بريدة مكثر عن أبيه رضي الله عنه، لم يرو أحد عن أبيه أكثر منه، روى عنه ثلاثة وستين حديثاً من مجمل سبعة وثمانين حديثاً هي كل مسند بريدة بن الحصيب رضي الله عنه في الكتب الستة [ 26، جـ2، ص 77-93 ]، وأما رواية ابن بريدة عن عبدالله بن مغفل رضي الله عنه، فهي لا تتجاوز أربعة أحاديث فقط في الكتب الستة [ 26، جـ 7، ص 176 ]. ولم يخالف في تضعيف الحديث - حسب اطلاعي - إلا البزار فإنه يميل إلى تقوية الحديث فقد قال بعد أن ذكره في مسنده: " لا نعلم أحداً يرويه إلا بريدة، ولا رواه إلا حيان، وهو بصري مشهور، ليس به بأس " [ 40، جـ1، ص334 ]، ولعله لم يستحضر مخالفة الثقات لحيان، وقول الجمهور في تضعيف الحديث أصح وأرجح بلا تردد. سابعاً: الحافظ ابن عدي وقفت لابن عدي على أربعة عشر نصاً استعمل فيها عبارة ( كان أسهل عليه ) يريد بها تخطئة الراوي الذي يسلك الطريق السهل المعروف المتداول، والمعنى الذي يريده هو المعنى نفسه الذي يسميه غيره ( فلان سلك الجادة ) أو ( فلان لزم الطريق )، وتتسم نصوص ابن عدي في تطبيق هذه القرينة بالوضوح الذي يغني عن الشرح، فالرواة الذين وصفهم بذلك متكلم فيهم عنده غالباً، مما لا يستدعي البحث عن إجابة حول موقفه من الراوي، كما أنه إذا ساق من خالف الجادة فيأتي بأسانيد لثقات الراوة، لهذا كانت نصوصه تتسم بالوضوح ولا تحتاج لكثير شرح. ومن نصوصه في ذلك: أنه ذكر رواية لأرطاة أبي حاتم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر قال: قال رسول الله (: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ". ثم عقب عليها بقوله: " الحديث خطأ إنما يرويه عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، على أنه قد روي عن هشام بن حسان عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر، وهذا خطأ أيضاً، وهذا الطريق كان أسهل عليه إذ قال: عبيد الله عن نافع عن بن عمر؛ لأنه طريق واضح، وبهذا الإسناد أحاديث كثيرة يقول فيها: عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولأرطاة أحاديث كثيرة غير ما ذكرته، في بعضها خطأ وغلط " [ 13، جـ 1، ص 432 ]. وأرطاة بن المنذر هو أبو حاتم البصري، يظهر من كلام ابن عدي أنه يضعفه بسبب أخطائه، وقد جزم بتخطئته في الحديث السابق، مع أن هشام بن حسان قد تابعه وهو صدوق لا بأس به عند ابن عدي [ 13، جـ 7، ص113 ]، ولكنه خطّأ هذه المتابعة أيضاً، والسبب في ذلك عنده ؛ لأن قولهما: عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر طريق سهل وواضح قد رويت به أحاديث كثيرة، والصواب مع الثقات الذين رووا الحديث عن عبيدالله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهذا الذي يدل عليه إخراج ابن حبان في صحيحه لهذه الطريق دون الأولى [ 33، جـ 4، ص399 ]، ولم أجد أحداً صحح رواية أرطاة أو هشام الآنفة مما يدل على ضعفها عند العلماء. وفي نص ثان: ذكر أن جعفر بن عبد الواحد روى عن محمد بن عبدالله الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي ( قال: " يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة ". فتعقب ابن عدي هذا الحديث بقوله: " وهذا الحديث بهذا الإسناد لا نعرفه إلا عن جعفر هذا، وقد ترك فيه جعفر الطريق الواضح، إذ كان أسهل عليه عن سعيد عن قتادة عن أنس، وروى سعيد بن أبي عروبة هذا عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر "[ 13 جـ 2، ص 154 ]. وجعفر بن عبدالواحد الهاشمي وصفه ابن عدي بأنه يحدث عن الثقات بالمناكير، وكان متهماً بوضع الحديث وسرقته [ 13، جـ 2، ص153- 155 ]. وحديث أبي ذر الذي ألمح ابن عدي إلى أنه هو المحفوظ عن ابن أبي عروبة أخرجه مسلم في صحيحه عن جمع من الثقات ليس منهم ابن أبي عروبة عن حميد بن هلال به [ 28، جـ1، ص365 ]، ومن طريق ابن أبي عروبة به أخرجه ابن حبان في صحيحه [ 33، جـ 6، ص 144 ]. ولا أرى وجاهة لكلام ابن عدي في أن جعفراً ترك الطريق الواضح، وسلك الطريق الأسهل ؛ لأن الذي يظهر لي أن جعفراً يتعمد سرقة الأحاديث كما ذكر ابن عدي وغيره، وإنما يقال: فلان كان هذا أسهل عليه إذا كان ممن يخطئ ويتوهم و لا يتعمد، لهذا فإني أميل بقوة لقول ابن حبان لما ذكر الحديث الآنف في ترجمة جعفر بن عبدالواحد، ثم تعقبه بقوله: " وأما حديث أنس في قطع الصلاة للحمار والكلب والمرأة، فإن هذا مسروق لا شك فيه، ولم يروه أنس، ولا قتادة، وليس لهذا الخبر إلا طريق واحد حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر " [ 42، جـ 1، ص 216 ]. وفي نص ثالث: ذكر عن حجاج بن أرطاة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: " أبصر رسول الله ( رجلين في مسجد الخيف في أخريات القوم، قال: فأمر فجيء بهما ترعد فرائصهما، قال: " ما منعكما من الصلاة معنا " فقالا: صلينا في رحالنا، قال: " ألا صليتم معنا، فيكون تطوعاً، وصلاتكم الأولى هي الفريضة ". قال ابن عدي: " هكذا قال حجاج: عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وأخطأ في الإسناد، وكان هذا الإسناد أسهل عليه ؛ لأن يعلى بن عطاء يروي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أحاديث، وإنما روى هذا الحديث الثقات عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال: أبصر النبي ( رجلين في المسجد فذكره " [ 13، جـ2، ص 228 ] , والحجاج بن أرطاة الذي خطأه ابن عدي هنا، هو عنده يكتب حديثه ؛ لأنه لا يتعمد الكذب [ 13، جـ2، ص228 ]، وسبب خطئه في الحديث أنه سلك الجادة بذكره للطريق الأسهل، وهو يعلى عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ويعلى بن عطاء العامري الطائفي يروي بهذا الإسناد أحاديث كما ذكر ابن عدي[ 26، جـ 6، ص 364-365 ] لهذا كان سنده أشهر وأسهل، وأما رواية يعلى عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه رضي الله عنه، فلا تعرف إلا في هذا الحديث بل ليس لجابر بن يزيد عن أبيه غير هذا الحديث الفرد الذي تفرد به يعلى بن عطاء، وإن كان بعض الرواة يقطعونه، فيبدو لغير المدقق أن له أكثر من حديث [ 26، جـ 9، ص 104 ]. وقد حكم أبو زرعة الرازي بوهم الحجاج في روايته الآنفة، وتبعه ابن أبي حاتم مبيناً الوجه الصحيح الذي ذكره ابن عدي آنفاً [ 8، جـ 1، ص 185 ]، والحديث من وجهه المحفوظ صححه الترمذي [ 36، جـ1، ص 426 ]، وابن خزيمة [ 30، جـ 3، ص 67 ]، وابن حبان [ 33، جـ4، ص 434 ]. وفي نص رابع: ذكر ابن عدي أن صدقة بن يزيد روى حديثاً عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ( قال: قال الله تعالى: " إن من أصححته، ووسعت عليه، ولم يزرني في كل خمسة أعوام عاماً لمحروم ". فعقب عليه بقوله: " وهذا عن العلاء منكر كما قاله البخاري، ولا أعلم يرويه عن العلاء غير صدقة، وإنما يروي هذا خلف بن خليفة وهو مشهور، وروي عن الثوري أيضا عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (، فلعل صدقة هذا سمع بذكر العلاء فظن أنه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وكان هذا الطريق أسهل عليه، وإنما هو العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد " [ 13، جـ4، ص 78 ]. صدقة بن يزيد الخراساني الشامي، وصفه ابن عدي بأنه إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق [ 13، جـ 4، ص 78 ]، وفسر سبب وهمه في الحديث السابق بأنه سمع باسم العلاء في الحديث فسبق إلى وهمه لعدم تحريه أنه العلاء بن عبدالرحمن الحرقي، وهو مشهور بالرواية عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، فجعل الحديث بهذا الإسناد المشهور السهل الذي تداوله العلماء بكثرة [ 26، جـ10، ص 221 - 239 ]، وأما أحاديث العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فهي قليلة، ولم يخرج أصحاب الكتب الستة شيئاً منها، وما وجدت بهذا الإسناد إلا ثلاثة أحاديث فقط [ 43، جـ 5، 407 ]. ولم أجد لابن عدي مخالفاً من أئمة النقد الحديثي في حكمه على الحديث السابق، فقد وافقه على إنكار حديث صدقة بن يزيد الآنف كل من البخاري [ 44، جـ4، ص 295 ]، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين [ 8، جـ 1، ص 286، ص 291 ]، كما ضعفه العقيلي [ 45، جـ 2، ص 206 ]، والبيهقي [ 10، جـ 5، ص 262 ]. وعلى أية حال فنصوص ابن عدي في تخطئة رواية الضعيف إذا ( سلك الجادة )، وترجيح من خالفها ، ليست بالقليلة بل هي كما أسلفت بلغت أربعة عشر نصاً مشابهة للأمثلة التي تكلمت عنها آنفاً، وكلها يقول فيها: " وكان أسهل عليه " يعني الراوي الذي يسلك الجادة، ويمكن مراجعة باقي نصوص ابن عدي في المواضع التالية: [13، جـ 1، ص 201 ؛ جـ3، ص 418 ؛ جـ 4، ص 71، ص 146، ص 459 ؛ جـ 5، ص 182 ؛ جـ 6، ص 229، ص 286، ص 359، ص 387 - 388 ]. ثامناً: الحافظ أبو عبدالله الحاكم النيسابوري استعمل في نص واحد - بحسب ما وقفت - كلمة ( المجرة )، وقد تقدم النص الذي ذكره في الكلام على علاقة " سلوك الجادة " بعلم العلل [ 11، ص 372 - 373 ]، ولكن لا يبدو لي أنه ملتزم بتطبيق ذلك كما ظهر لنا في بعض الأمثلة المتقدمة إذ وجدته يصحح بعض الوجوه التي أعلها مثل أبي حاتم الرازي بسبب لزوم الطريق، ومن الأمور المعروفة في أوساط الباحثين في علم الحديث أن الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث " أمتن منه في " مستدركه " بسبب تساهله وكثرة أوهامه فيه كما أشار إلى ذلك المعلمي [ 18، جـ 1، ص 457 ]، وأحمد فارس السلوم [ 11، ص 9 ]. تاسعاً: الخطيب البغدادي وقفت للخطيب البغدادي على نصين استعمل فيهما قرينة " سلوك الجادة "، وهما: قوله في أحد الرواة: " رأيت له أحاديث عن جماعة سلك فيها السهولة ، واتبع في روايتها المجرة، وكان يحدث كثيرا من حفظه " [ 12، جـ 3، ص 226 ]، وهو يريد بهذا الكلام تضعيفه بسبب سلوكه للجادة التي عبر عنها هنا بقوله: سلك السهولة، وكذا عبر عنها: باتباع المجرة . وفي نص آخر: ذكر في ترجمة عبدالله بن الحسين بن علي بن أبان الصفار حديثاً، ثم تعقبه بقوله: " تفرد الصفار بحديث عبد الأعلى بن حماد وإيصاله وهم على حماد بن سلمة ؛ لأن حماداً إنما يرويه عن ثابت عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: كنا نتحدث أنه ما تحاب رجلان في الله، وذلك يحفظ عنه، فلعل الصفار سها، وجرى على العادة المستمرة في ثابت عن أنس " [ 12، جـ 9، ص440 ]، وقد نقل في ترجمة الصفار هذا أنه ثقة مأمون، وحكم هنا بخطئه؛ لأن المحفوظ عن حماد بن سلمة في هذا الحديث أنه يرويه عن ثابت عن مطرف بن عبدالله الشخير من قوله، وفسر سبب وهم الصفار بأنه وقع له الوهم سهواً وجرى على الجادة في أحاديث ثابت، فقال: عن ثابت عن أنس، وهذا سند مشهور متداول بكثرة، وكان الخطيب البغدادي موفقاً ودقيقاً في تعبيره عن مثل ذلك بـ ( العادة المستمرة )، فهذا وصف صحيح يليق بأحاديث ثابت البناني عن أنس لكثرتها، فقد بلغت في الكتب الستة فقط ما يقارب الأربعين والمائتين حديثاً بالمكرر [ 26، جـ1، ص 103 - 156 ]، والخطيب يعلم بأن المبارك بن فضالة قد روى هذا الحديث عن ثابت عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً [ 12، جـ11، ص 341 ].، ومع ذلك جزم بخطأ الصفار مع ثقته عنده، ولم يلتفت لمثل هذه المتابعة. وهذا بخلاف موقف ابن حبان الذي صحح الحديث من طريق المبارك[ 33، جـ2، ص325 ]، ومن المعلوم عند المحدثين أن أثبت الناس في ثابت البناني حماد بن سلمة وقد روى الحديث عنه عفان بن مسلم وهو ثقة ثبت عن ثابت عن مطرف من قوله [ 46، جـ 7، ص 180 ]، والمبارك متكلم في حفظه والظاهر أنه سلك الجادة هنا، والراجح في حديث ثابت هذا أنه يرويه عن مطرف من كلامه، وهذا ما صوبه الدارقطني [ 34، جـ5، ص 120 ]، وهو ظاهر كلام الخطيب الآنف. عاشراً: الحافظ ابن رجب الحنبلي سبق أن ذكرنا أن ابن رجب يعد أبرز من لفت الأنظار إلى هذه المسألة بصورة واضحة وجلية من العلماء المتأخرين، وقد وجدت تطبيقاً لما أصله، فقد قال في حديث: " عروة عن عائشة سلسلة معروفة يسبق إليها لسان من لايضبط ووهمه، بخلاف عروة عن ابن عمر، فإنه غريب لايقوله إلا حافظ متقن " [ 47، جـ 5، ص 35 - 36]. وهذا نص في غاية الوضوح يدل على أن ابن رجب طبق عملياً كلامه المتقدم في أول البحث، فهو هنا يجعل (سلوك الجادة ) قرينة على الوهم، وأن مخالفتها قرينة على مزيد ضبط وإتقان. الحادي عشر: الحافظ ابن حجر العسقلاني أكثر الحافظ ابن حجر من تطبيق قرينة ( سلوك الجادة ) في أحكامه على الأحاديث، ونصوصه في الغالب مصحوبة بتخريج للحديث وكلامه عليه، مما يغنينا عن التعليق على نصوصه، وسنذكر فيما يلي بعض نصوصه ونحيل على الباقي. قال رحمه الله في حديث من رواية عمرو بن شعيب: " وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب، فرواه عامر الأحول، ومطر الوراق، وعبد الرحمن بن الحارث، وحسين المعلم كلهم: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والأربعة ثقات واحاديثهم في السنن، ومن ثم صححه من يقوي حديث عمرو بن شعيب، وهو قوي، لكن فيه علة الاختلاف، وقد اختلف عليه فيه اختلافا آخر فأخرج سعيد بن منصور من وجه آخر عن عمرو بن شعيب أنه سئل عن ذلك فقال: كان أبي عرض علي امرأة يزوجنيها فأبيت أن أتزوجها، وقلت: هي طالق البتة يوم أتزوجها، ثم ندمت، فقدمت المدينة، فسألت سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، فقالا: قال رسول الله ( " لا طلاق الا بعد نكاح "، وهذا يشعر بأن من قال فيه: عن أبيه عن جده سلك الجادة، وإلا فلو كان عنده عن أبيه عن جده ؛ لما احتاج أن يرحل فيه إلى المدينة، ويكتفي فيه بحديث مرسل، وقد تقدم أن الترمذي حكى عن البخاري أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أصح شيء في الباب، وكذلك نقل ما هنا عن الإمام أحمد" [ 23، جـ 9، ص 384 ]. وفي نص ثان قال: "قال ابن عبد البر: رواية عبد العزيز - بن أبي سلمة - خطأ بين ؛ لأنه لو كان عند عبد الله بن دينار عن ابن عمر ما رواه عن أبي صالح أصلا انتهى، وفي هذا التعليل نظر، وما المانع أن يكون له فيه شيخان. نعم الذي يجري على طريقة أهل الحديث أن رواية عبد العزيز شاذة لأنه سلك الجادة، ومن عدل عنها دل على مزيد حفظه " [ 23، جـ 3 ص269 - 270]. وفي نص ثالث: ذكر أن جمعاً من الثقات رووا حديثاً عن عبدالله بن بريدة عن بشير بن كعب العدوي عن شداد بن أوس رضي الله عنه في حديث سيد الاستغفار ثم قال: " وخالفهم الوليد بن ثعلبة فقال: عن ابن بريدة عن أبيه أخرجه الأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم،... قال النسائي: حسين المعلم أثبت من الوليد بن ثعلبة واعلم بعبد الله بن بريدة، وحديثه أولى بالصواب. قلت: كأن الوليد سلك الجادة ؛ لأن جل رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه، وكأن من صححه جوز أن يكون عن عبد الله بن بريدة على الوجهين " [ 23، جـ 11، ص 99 ] وفي نص رابع: روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه حديثاً مرفوعاً، وخالفه الزهري فرواه عن أبي سلمة عن عبدالله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه، وعقب ابن حجر على حديث الزهري بقوله: " وهو المحفوظ، والحديث حديثه، وهو مشهور به... وسلك محمد بن عمرو الجادة " [ 4، جـ 2، ص 611 ] ولمن أراد التوسع نحيله على مواضع من مؤلفات الحافظ ابن حجر: [ 23، جـ 9، ص632 ؛ جـ10، ص 96، ص146، ص 364، ص444]،[ 48، ص 371 ]، [ 49، جـ 2، ص184، ص 219]، [ 4، جـ 2، ص 610، ص 661، ص 714، ص 726 ]، [50،جـ 3، ص 468؛ جـ 6، ص546]، [ 51، جـ1، ص 266 ]، [ 52، جـ 2، ص 105، ص 254، ص 396 ]. ضوابط الترجيح بمخالفة الجادة عند التأمل في النصوص السابقة يتضح لنا أن هناك عدداً من الضوابط التي لا بد من مراعاتها عند الترجيح لرواية من خالف الجادة، وهي: 1 - أن يكون المخالف للجادة أقوى أو في درجة قوة الراوي الذي سلك الجادة في الجملة، أما إن كان أضعف منه مطلقاً، فلا يعتد به ؛ لقوة احتمال أن يكون ذلك السند المخالف للجادة من أوهام ذلك الضعيف باعتبار أنه دخل له حديث في حديث أي انقلبت عليه بعض الأحاديث، و لابد من التنبه هنا إلى ضرورة مراعاة القرائن في بعض الحالات التي قد تبدو للوهلة الأولى أن الناقد قدم الضعيف المخالف للجادة على من هو أقوى منه، فقد يكون من سلك الجادة مضعفاً في شيخه ذلك، كما تقدم معنا في النص الثالث من نصوص أبي حاتم، فإن محمد بن عمرو وإن كان أقوى من الحارث بن أبي ذباب من حيث الجملة إلا أنه كان يضطرب في مروياته عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف، ولهذه القرينة قدم أبو حاتم الحارث على محمد بن عمرو. 2 - يحكم لمن خالف الجادة إذا كان متن الحديث متقارباً، وإن كان المتن مختلفاً، فيتوجه القول بأن الوجهين صحيحان، وهذا هو اختيار الحافظ ابن رجب فقد قال: " واعلم أن هذا كله إذا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما وعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير ـ يستدل به على أنه حديث آخر فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة هما حديثان بإسنادين... وكثير من الحفاظ كالدارقطني وغيره لا يراعون ذلك، ويحكمون بخطأ أحد الإسنادين، وإن اختلف لفظ الحديثين إذا رجع إلى معنى متقارب، وابن المديني ونحوه إنما يقولون: هما حديثان بإسنادين إذا احتمل ذلك، وكان متن ذلك الحديث يروى عن النبي ( من وجوه متعددة... فأما ما لا يعرف إلا بإسناد واحد، فهذا يبعد فيه ذلك " [ 3، جـ2، ص 729 - 731 ]. 3 - إذا تعارضت قرينة الترجيح بمخالفة الجادة مع غيرها من قرائن الترجيح في علم العلل، فإن الذي اختاره الحافظ ابن حجر تقديمها على قرينة رواية الأكثر، وقرينة رواية بلدي الراوي. فقد قال في حديث اختلف فيه على ابن أبي ذئب: " وإذا تقرر ذلك فالأكثر قالوا فيه عن أبي هريرة فكان ينبغي ترجيحهم، ويؤيده أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدث به في حال سفره، ولكن عارض ذلك أن سعيداً المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة فمن قال عنه عن أبي هريرة سلك الجادة، فكانت مع من قال عنه عن أبي شريح زيادة علم ليست عند الآخرين، وأيضا فقد وجد معنى الحديث من رواية الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح كما سيأتي بعد باب، فكانت فيه تقوية لمن رواه عن بن أبي ذئب فقال فيه: عن أبي شريح، ومع ذلك فصنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين وان كانت الرواية عن أبي شريح أصح " [ 23،جـ10، ص444 ]. والذي أميل إليه أنه عند تعارض قرائن الترجيح في علم العلل تقدم القرينة التي تعتضد ببعض الأمارات، فمثلاً في المثال السابق اعتضدت قرينة الترجيح بمخالفة الجادة بوجود رواية من غير طريق ابن أبي ذئب تدل على أن الحديث محفوظ عن المقبري عن أبي شريح، ولا شك أن هذه أمارة قوية على وجاهة من خالف الجادة. 4 - لا يعني أن كثيراً من علماء العلل جرى عملهم بترجيح رواية المخالف للجادة أن يكون هذا محل اتفاق عند علماء الحديث، فقد وجدت بعض الأمثلة التي خالف فيها ابن حبان وغيره، لم يأخذوا فيها بذلك، ولعل هذا منهم تجويزاً بأن الحديث يكون صحيحاً من الوجهين [ 23، جـ 3، ص 269 ؛ جـ 11، ص 99 ]، وكذلك الحاكم كما تقدم في النص الثاني من نصوص أبي حاتم الرازي التطبيقية وغيره. فلا بد من التنبه لهذا لنعلم أن الخلاف هنا بين أئمة علم العلل وبعض الموصوفين بالتساهل من علماء الحديث، ويحسن هنا التذكير بكلام قوي في هذا المقام للحافظ ابن حجر صرح فيه بعد إشارته إلى أن بعض علماء الحديث مشوا على ظاهر إسناد الحديث " كفارة المجلس " فصححوه، ولم يراعوا قرينة سلوك الجادة كما راعاها أئمة علم العلل الذين أعلوه، فقال في ذلك: " وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد، كالترمذي، وكأبي حاتم ابن حبان، فإنه أخرجه في صحيحه، وهو معروف بالتساهل في باب النقد " [ 4، جـ2، ص 726 ]. الخاتمة في نهاية هذا البحث نستطيع أن نوجز أهم نتائجه فيما يلي: 1 - أن أئمة علم العلل يجعلون من ( سلوك الجادة ) قرينة على خطأ الراوي إذا خولف ممن هو أقوى منه أو ممن في مرتبته من حيث القوة، ومن باب أولى إذا كان عدد المخالفين له كثرة. 2 - أن أئمة علم العلل يجعلون من ( مخالفة الجادة ) قرينة ترجيح تدل على حفظ الراوي وضبطه المتقن في ذلك الحديث الذي خولف فيه. 3 - عبارات الأئمة في التعبير عن قرينة ( سلوك الجادة ) متعددة كما تقدم، وقد استطاع الباحث أن يقف على خمسة عبارات مستعملة في ذلك ( سلك الجادة )، ( اتبع المجرة )، ( لزم الطريق )، ( كان أسهل عليه )، ( جرى على العادة المستمرة ). 4 - توصل الباحث إلى أن بعض العلماء كابن حبان وأبي عبدالله الحاكم لا يلتزمان بتطبيق قرينة ( سلوك الجادة ) في أحكامهم وتصحيحاتهم للأحاديث، ولعل هذا ناتج عن تساهلهم. 5 - تعد قرينة ( الترجيح بمخالفة الجادة ) من قرائن الترجيح القوية جداً في علم العلل. 6 - تستعمل قرينة ( سلوك الجادة ) في الترجيح حيث يكون مدار السند واحداً والمتن متقارباً، وأما إذا لم يكن الأمر كذلك، وكان الرواة ثقات فيتوجه الحكم بصحة الوجهين. 7 - تعد قرينة ( سلوك الجادة ) مظنة خطأ الراوي، وهي من أوسع مداخل الوهم على الرواة غير المتقنين كما يلاحظ في كتب العلل. وفي الختام فإن الباحث يوصي بإجراء مزيد من البحوث حول مسألتين يراهما من الأهمية بمكان: الأولى: قرائن الترجيح في علم العلل بصورة مفصلة لكل قرينة. الثانية: تعارض قرائن الترجيح في علم العلل، وضوابط دفع ذلك التعارض بالجمع أو الترجيح. ولا بد أن تكون دراسة مثل هذه الأمور دراسة تعتمد على تطبيقات أئمة علم العلل. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. المراجع [1] ابن فارس، أحمد بن فارس. معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبدالسلام محمد هارون. بيروت: دار الكتب العلمية. 1399هـ. [2] ابن منظور، جمال الدين.لسان العرب. بيروت: دار صادر، د.ت. [3] ابن رجب، عبدالرحمن بن أحمد.شرح علل الترمذي. تحقيق د. نور الدين عتر. دمشق: دار الملاح للطباعة والنشر. 1398هـ. [4] ابن حجر، أحمد بن علي. النكت على كتاب ابن الصلاح. تحقيق د. ربيع بن هادي. المدينة النبوية. المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية. 1404هـ. [5] السخاوي، شمس الدين محمد بن عبدالرحمن. فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي. تحقيق علي حسين علي، بيروت: دار الإمام الطبري. 1412هـ. [6] السيوطي، جلال الدين. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي.علق عليه عبدالوهاب عبداللطيف. بيروت: دار الكتب العلمية. 1399هـ. [7] الزيات، أحمد حسن. المعجم الوسيط. القاهرة: مجمع اللغة العربية. د.ت. [8] الرازي، عبدالرحمن بن أبي حاتم. علل الحديث. حلب: دار السلام.د.ت. [9] الرازي، عبدالرحمن بن أبي حاتم. آداب الشافعي ومناقبه. تحقيق عبدالغني عبدالخالق، بيروت: دار الكتب العلمية.د.ت. [10] البيهقي، أحمد بن الحسين. السنن الكبير. مصورة عن طبعة حيدرآباد. بيروت: دار المعرفة.د.ت. [11] النيسابوري، محمد بن عبدالله الحاكم. معرفة علوم الحديث. تحقيق أحمد بن فارس سلوم. بيروت: دار ابن حزم. 1424هـ. [12] البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت. تاريخ بغداد. بيروت: دار الكتاب العربي. د.ت. [13 ] الجرجاني، أحمد بن عبدالله بن عدي. الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق يحيى مختار غزاوي. بيروت: دار الفكر. 1409هـ. [14] ابن حجر. أحمد بن علي. تقريب التهذيب. تحقيق محمد عوامة.دمشق: دار الرشيد، 1406هـ. [15] الفسوي، يعقوب بن سفيان. المعرفة والتاريخ. تحقيق أكرم ضياء العمري. بيروت. مؤسسة الرسالة. 1401هـ. [16] المزي، جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن. تهذيب الكمال في أسماء الرجال. تحقيق د. بشار معروف. بيروت: مؤسسة الرسالة. 1402هـ. [17] ابن حبان، محمد بن حبان.الثقات.حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية. 1393هـ. [18] المعلمي، عبدالرحمن بن يحيى. التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل، القاهرة: دار الكتب السلفية.د.ت. [19] عتر، نورالدين.منهج النقد في علوم الحديث.دمشق: دار الفكر. 1401هـ. [20] ابن حنبل، أحمد بن محمد. المسند. بيروت: دار صادر، د.ت. [21] ابن حنبل، أحمد بن محمد. العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل. برواية ابنه عبدالله. تحقيق د. وصي الله بن محمد عباس. بيروت: المكتب الإسلامي. 1408هـ. [22] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تحقيق د/ مصطفى البغا. بيروت: دار ابن كثير. 1407هـ. [23] ابن حجر، أحمد بن علي. فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري. صححه محب الدين الخطيب. بيروت: دار المعرفة. 1406هـ. [24] ابن المديني، علي بن عبدالله. العلل. تحقيق أ.د. محمد مصطفى الأعظميبي. بيروت: المكتب الإسلامي. 1980م. [25] الدارقطني، علي بن عمر. العلل الواردة في الأحاديث النبوية. تحقيق محفوظ الرحمن زين الله. الرياض: دار طيبة. 1405هـ. [26] المزي، جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن. تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف. تحقيق عبدالصمد شرف الدين. بيروت: المكتب الإسلامي. 1403هـ. [27] الرازي، عبدالرحمن بن أبي حاتم. الجرح والتعديل.علق عليه عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني. بيروت: دار الكتب العلمية.د.ت. [28] القشيري، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.د.ت. [29] النسائي، أحمد بن شعيب. السنن الكبير. تحقيق د. عبدالغفار البنداري وسيد كسروي حسن. بيروت: دار الكتب العلمية. 1411هـ. [30] ابن خزيمة، محمد بن إسحاق. صحيح ابن خزيمة. تحقيق أ.د. محمد مصطفى الأعظمي. بيروت: المكتب الإسلامي.د.ت. [31] النسائي، أحمد بن شعيب. سنن النسائي "المجتبى" مع شرح السيوطي وحاشية السندي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.د.ت. [32] النسائي، أحمد بن شعيب. عمل اليوم والليلة. تحقيق د/ فاروق حمادة. بيروت: دار الرسالة. 1406هـ. [33] ابن حبان، محمد بن حبان. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. تحقيق شعيب الأرناؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة. 1414هـ. [34] المقدسي، ضياء الدين محمد بن عبدالواحد. الأحاديث المختارة. تحقيق عبدالملك بن دهيش. مكة: مكتبة النهضة. 1410 هـ. [35] النيسابوري، محمد بن عبدالله الحاكم. المستدرك على الصحيحين. الرياض: مكتبة المعارف.د.ت. [36] الترمذي، محمد بن عيسى. الجامع الصحيح. تحقيق أحمد شاكر. بيروت: دار إحياء التراث العربي.د.ت. [37] البيهقي، أحمد بن الحسين. شعب الإيمان. بيروت: دار الكتب العلمية.1411هـ [38] الدارقطني، علي بن عمر. السنن. صححه عبدالله هاشم يماني. القاهرة: دار المحاسن. د.ت. [39] ابن الجوزي، أبو الفرج عبدالرحمن. الموضوعات. تحقيق محمد عبدالرحمن عثمان. بيروت: دار الفكر. 1402هـ. [40] الهيثمي، نورالدين.كشف الأستار عن زوائد البزار. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. بيروت: مؤسسة الرسالة. 1404هـ. [41] ابن حجر، أحمد بن علي. لسان الميزان. بيروت: دار الأعلمي.د.ت. [42] ابن حبان، محمد بن حبان. كتاب المجروحين والضعفاء. تحقيق محمود زايد. مكة المكرمة: دار الباز. د.ت. [43] ابن حجر، أحمد بن علي. إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة. المدينة النبوية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. 1415هـ [44] البخاري، محمد بن إسماعيل. التاريخ الكبير.علق عليه عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني. بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية. 1407هـ. [45] العقيلي، محمد بن عمرو. الضعفاء. تحقيق د. عبدالمعطي قلعجي. بيروت: دار الكتب العلمية. 1404هـ. [46] ابن أبي شيبة، عبدالله بن محمد. المصنف. تحقيق كمال يوسف الحوت. الرياض: مكتبة الرشد. 1409هـ. [47] ابن رجب، عبدالرحمن بن أحمد. فتح الباري شرح صحيح البخاري. تحقيق محمود بن شعبان مقصود وآخرين. المدينة النبوية: مكتبة الغرباء الأثرية. 1417هـ [48] ابن حجر، أحمد بن علي. هدي الساري مقدمة فتح الباري. بيروت: دار المعرفة. 1401هـ. [49] ابن حجر، أحمد بن علي. الدراية تخريج أحاديث الهداية. اعتنى به عبدالله هاشم اليماني. بيروت: دار المعرفة.د.ت. [50] ابن حجر، أحمد بن علي. الإصابة في تمييز الصحابة. تحقيق علي محمد البجاوي. بيروت: دار الجيل. 1412هـ. [51] ابن حجر، أحمد بن علي. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. اعتنى به عبدالله هاشم اليماني. المدينة المنورة. الناشر نفس المؤلف. 1384هـ. [52] ابن حجر، أحمد بن علي. موافقة الخُبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر. تحقيق حمدي السلفي وصبحي السامرائي. الرياض: مكتبة الرشد. 1412هـ. Sulook Al Jad'ah (The Clear Pathway) and Its Effects in the Defectiveness (I'lal) of Al-Ahadeeth Khaled M. A. Al-Drees Assistant Professor in Hadeeth and its Sciences, Departmet of Islamic Studies, College of Education, King Saud University, Riyadh, Kingdom of Saudi Arabia (Received 28/10/1424H.; accepted for publication 4/1/1425H.) Abstract. The research concentrates on an inference, which is from amongst the most important inferences to the defectiveness (I'lal) of al-ahadeeth, available to scholars of hadeeth criticism. This inference is called "Sulook Al Jad'ah (The Clear Pathway). The study deals with its definition, gives explanations to words analogous to it and discussess its connection with the science of ilal al-hadeeth and its importance in this field. The researcher explains that "Sulook Al Jad'ah" is an inference in the science of ilal, to the mistake of the narrator (rawee), if he comes via a well-known and familiar channel, which is in conflict with narrators who are similar or stronger than he is, in which case he decides to narrate the same hadeeth, through another channel, not so well-known, due to it being rarely mentionaed and never used by narrators. The research also concluded that to be at variance with Al-Jad'ah is an inference, for Imams specialized in the science of ilal, to the accuracy (dabt) of the narrator and his proficiency. The paper also presented applicable texts, which some scholars used for this inference. The study also laid down criterions derived from their applications (scholars of ilal al-hadeeth) for working with this inference. The research finally clarifies its (the inference's) position when it comes in conflict with other preferred inferences, with scholars apply in the science of ilal al-hadeeth. 895